Sat, 26 Apr 2025
البنية التحتية الوطنية في العراق حيوية - ليس فقط للعراق!
عندما يفكر الناس في العراق، غالبًا ما يتبادر إلى الذهن النفط أو الصراع أو التاريخ. ولكن هناك قصة أكبر بكثير تتكشف، قصة لا تؤثر على العراق فحسب، بل على الشرق الأوسط بأكمله. أصبحت البنية التحتية الوطنية للعراق بهدوء محورًا رئيسيًا لأمن الطاقة الإقليمي وأسواق النفط العالمية والاستقرار الاقتصادي الإقليمي.
في الآونة الأخيرة، تم إيلاء الكثير من الاهتمام للدفاعات الرقمية، حيث افتتح السوداني مركزًا جديدًا لامعًا للأمن السيبراني في بغداد، وهو أمر ضروري للغاية، ولكن الجانب التقليدي المادي/الثابت للأمن وافتقاره إلى المعايير العالية، يهدد بترك البنية التحتية معرضة للخطر بشكل خطير.
إذا كان العراق جادًا في حماية مستقبله، فيجب أن يعمل الأمن السيبراني والأمن المادي جنبًا إلى جنب. وإلا، فقد تكون العواقب كارثية ليس فقط على العراق، بل على العالم أجمع.
يمتلك العراق خامس أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، ويتدفق جزء كبير من هذا النفط عبر نقاط رئيسية للبنية التحتية، وخطوط أنابيب تمتد عبر الصحراء، ومصافي نفط تعجّ بالحياة على مشارف بغداد والبصرة، ومحطات تصدير عملاقة مثل تلك الموجودة في أم قصر والفاو.
ولا يقتصر الأمر على النفط فحسب، فشبكة الكهرباء العراقية، وإمدادات المياه، وخطوط النقل، والموانئ، والاتصالات، كلها عوامل بالغة الأهمية للحفاظ على استقرار المنطقة. ويمكن أن تؤثر أي اضطرابات في صادرات النفط العراقية على الأسعار العالمية، كما أن انهيار شبكة الطاقة العراقية من شأنه أن يُرسل موجات صدمة إلى الأردن وسوريا وإيران والكويت، وحتى إلى مناطق بعيدة مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي تشتري الآن نفطًا عراقيًا أكثر مما تشتريه من النفط السعودي.
أصبحت البنية التحتية العراقية بسرعة محور اهتمام العالم.
وإدراكًا منها لهذا، وكما ذُكر سابقًا، بذلت الحكومة العراقية مؤخرًا جهودًا كبيرة لتحسين الحماية السيبرانية. ففي أوائل عام 2025، افتتحت المركز الوطني للأمن السيبراني، وهو وكالة متخصصة مُكلفة بالدفاع عن البنية التحتية الحيوية من التهديدات الرقمية.
إنها خطوة جيدة. تتزايد الهجمات الإلكترونية على البنية التحتية للطاقة بشكل مثير للقلق في جميع أنحاء العالم. في عام 2021، شهدنا جميعًا الفوضى التي أعقبت هجوم الفدية على خط أنابيب كولونيال في الولايات المتحدة - محطات البنزين فارغة، والأسعار ترتفع بشكل كبير، والشراء بدافع الذعر.
تخيل حدوث شيء مماثل لحقول النفط العراقية أو خطوط أنابيب التصدير. ستكون النتائج مروعة، بالنظر إلى الوضع السياسي والاقتصادي المتدهور بالفعل في العراق.
صُمم المركز الجديد لمراقبة التهديدات، وتنسيق الاستجابات للحوادث، وتقوية الأنظمة الحيوية، وتطبيق معايير أمن سيبراني أكثر صرامة في جميع القطاعات الرئيسية. حتى أن هناك حديثًا عن إطلاق "جدار حماية وطني" مماثل للإجراءات التي شوهدت في دول الخليج الأخرى.
بالنسبة للعراق، إنها قفزة عملاقة إلى الأمام. بعد سنوات من كون الدفاعات السيبرانية مجرد فكرة ثانوية، يتدفق الاستثمار الجاد أخيرًا إلى المجال الرقمي، ولكن إليك المشكلة، الأمن المادي لا يزال في حالة يرثى لها!
بينما يزداد العراق ذكاءً بشأن التهديدات السيبرانية، فإن الأمن المادي لبنيته التحتية الوطنية، وخاصة منشآته النفطية، لا يزال مخيبًا للآمال بشكل خطير.
في جميع أنحاء حقول النفط الجنوبية الشاسعة في العراق، غالبًا ما تقع حراسة المواقع الحيوية على عاتق فرق أمنية ثابتة منخفضة الأجر وغير مدربة جيدًا وضعيفة التجهيز وسهلة الاختراق. يكسب العديد من هؤلاء الحراس ما لا يقل عن 300 إلى 500 دولار شهريًا - وهو ما لا يمثل حافزًا للولاء في منطقة يتفشى فيها الفساد وتنتشر فيها فرص الرشوة.
هناك فرص لحراس الأمن وحتى الشرطة للسماح بالوصول غير المصرح به إلى منشآت النفط. التهريب والسرقة والتخريب ليست مجرد تهديدات من جهات خارجية، بل غالبًا ما يتم تسهيلها من الداخل، حتى أن المرور إلى حقول النفط يتطلب رشوة عندما يكون لديك عقد قانوني! النظام بأكمله مبني على الفساد.
في بعض المواقع، تكون الأسوار مكسورة، وكاميرات المراقبة إما معطلة أو يسهل تجاوزها، وقليل من ضوابط الوصول لا يمكن تجاوزها بأي شكل من الأشكال.
إذن، تبقى المشكلة قائمة، فبينما يمكن للعراق امتلاك دفاعات سيبرانية عالمية المستوى للكشف عن الاختراقات الرقمية، إلا أن أي فاعل شرير قد يقتحم ببساطة خط أنابيب، أو يقطعه، أو يزرع قنبلة لمجرد أن الحارس المناوب نائم أو مُرشَّح، فما الفائدة من ذلك؟
يجب أن يعمل الدفاع السيبراني والحماية المادية معًا، وإلا فلن ينجح أي منهما.
ما يحتاجه العراق هو نهج "دفاعي شامل" لحماية بنيته التحتية الحيوية. وهذا يعني طبقات متعددة من الأمن، تعمل عبر العالمين الرقمي والمادي.
في عالم الإنترنت، يعني ذلك جدران الحماية، وحماية نقاط النهاية، وتجزئة الشبكة، والمراقبة الفورية، والتدقيق الأمني المنتظم، وخطط الاستجابة للحوادث. العراق يحرز تقدمًا كبيرًا في هذا المجال.
أما من الناحية المادية، فهذا يعني:
فرق أمن محترفة بأجور مناسبة، وأنظمة مراقبة حديثة، وإجراءات صارمة لمراقبة الدخول، ومسح بيومتري، وحواجز للمركبات، ونظام تتبع مرور الميدان لتجنب الرشاوى المطلوبة، وتمارين دورية لمحاكاة الهجمات وكشف نقاط الضعف.
هناك حاجة أيضًا إلى حملات توعية وتنسيق بين الفرق الفعلية والسيبرانية، بحيث يُفعّل هجوم إلكتروني على نظام ما، على سبيل المثال، دوريات ميدانية إضافية فورًا.
يبدو الأمر بديهيًا. لكن في العراق اليوم، لا يزال العالمان منفصلين بشكل مُقلق.
تعمل الفرق السيبرانية في مكاتب جديدة براقة في بغداد، بينما في حقول النفط، ينام حراس الأمن تحت ملاجئ صفيحية مُتهالكة، أو يُمرّرون الشاحنات دون حتى التحقق من الأوراق، أو الأسوأ من ذلك، مطالبتك بالدفع لهم حتى لو كانت الأوراق صحيحة.
إلى أن يتم الجمع بين هذين الواقعين، تظل البنية التحتية الحيوية للعراق عُرضة للخطر بشكل خطير، ولنكن صريحين تمامًا، لن يبقى الهجوم على حقول النفط العراقية مشكلة عراقية لفترة طويلة.
يعيش الشرق الأوسط بالفعل في حالة من التوتر. أي انقطاع في إمدادات النفط قد يُؤدي إلى ارتفاعات حادة في الأسعار، ويزيد التضخم، ويُعمّق المشاكل الاقتصادية العالمية، وربما يُشعل فتيل الصراعات.
أسواق الطاقة اليوم متوترة للغاية، مع استمرار التوترات في أوكرانيا، والعقوبات على إيران، وتأثير ترامب، وعدم الاستقرار في البحر الأحمر. قد يكون حادث كبير في العراق بمثابة حجر الدومينو الذي يُطلق شرارة سلسلة من ردود الفعل في أسواق الطاقة العالمية.
مع سعي العراق الآن لترسيخ مكانته كلاعب رئيسي في إعادة الإعمار الإقليمي، وربط صادرات النفط والغاز بسوريا والأردن وتركيا وغيرها، لا بد من تعزيز الأمن!
يحتاج العالم إلى أن تكون البنية التحتية العراقية آمنة. وهذا لا يعني مجرد إغلاق الباب الأمامي رقميًا، بل التأكد من عدم تمكن أي شخص من التسلل عبر الباب الخلفي جسديًا.